الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإسراء بالنبيء - عليه الصلاة والسلام - ليلا ليرى من آيات اللّه تعالى من المناسبة لحالة موسى - عليه السلام - حين أوتي النبوة ، فقد أوتي النبوءة ليلا وهو سار بأهله من أرض مدين إذ آنس من جانب الطور نارا ، ولحاله أيضا حين أسري به إلى مناجاة ربه بآيات الكتاب . والكتاب هو المعهود إيتاؤه موسى - عليه السلام - وهو التوراة . وضمير الغائب في جَعَلْناهُ للكتاب ، والإخبار عنه بأنه هدى مبالغة لأن الهدى بسبب العمل بما فيه فجعل كأنه نفس الهدى ، كقوله تعالى في القرآن : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . وخص بني إسرائيل لأنهم المخاطبون بشريعة التوراة دون غيرهم ، فالجعل الذي في قوله : وَجَعَلْناهُ هو جعل التكليف . وهم المراد ب « الناس » في قوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [ الأنعام : 91 ] ، لأن الناس قد يطلق على بعضهم ، على أن ما هو هدى لفريق من الناس صالح لأن ينتفع بهديه من لم يكن مخاطبا بكتاب آخر ، ولذلك قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [ المائدة : 44 ] . وقرأ الجمهور أَلَّا تَتَّخِذُوا - بتاء الخطاب - على الأصل في حكاية ما يحكى من الأقوال المتضمنة نهيا ، فتكون ( أن ) تفسيرية لما تضمنه لفظ ( الكتاب ) من معنى الأقوال ، ويكون التفسير لبعض ما تضمنه الكتاب اقتصارا على الأهم منه وهو التوحيد . وقرأ أبو عمرو وحده - بياء الغيبة - على اعتبار حكاية القول بالمعنى ، أو تكون ( أن ) مصدرية مجرورة بلام محذوفة حذفا مطردا ، والتقدير : آتيناهم الكتاب لئلا يتخذوا من دوني وكيلا . والوكيل : الذي تفوض إليه الأمور . والمراد به الرب ، لأنه يتكل عليه العباد في شؤونهم ، أي أن لا تتخذوا شريكا تلجئون إليه . وقد عرف إطلاق الوكيل على اللّه في لغة بني إسرائيل كما حكى اللّه عن يعقوب وأبنائه فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ [ يوسف : 66 ] . [ 3 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 3 ] ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ( 3 ) يجوز أن يكون اعتراضا في آخر الحكاية ليس داخلا في الجملة التفسيرية . فانتصاب ذُرِّيَّةَ على الاختصاص لزيادة بيان بني إسرائيل بيانا مقصودا به التعريض بهم إذ لم يشكروا النعمة . ويجوز أن يكون من تمام الجملة التفسيرية ، أي حال كونكم ذرية من حملنا مع نوح - عليه السلام - ، أو ينتصب على النداء بتقدير حرف النداء ، أي يا ذرية من